أحمد بن علي القلقشندي
256
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فإذا كان هذا كلام نسائهم الدائر فيما بينهن من محادثاتهن مع بعضهن في خلواتهن ، فما ظنك بفرسان الكلام في نظمهم ونثرهم ! فأنّى يعاب عليهم ذلك ، وينكر عليهم الإتيان بمثله ! وقد اختصم رجل وامرأة إلى يحيى بن يعمر ( 1 ) ، وهو من أكابر التابعين وجلَّتهم ، فقال للرجل : أأن سألتك ثمن شكرها وشبرك ، أنشأت تطلَّها وتضهلها ( 2 ) ؟ أما غير العرب ممن تكلف ذلك وأتى به في كلامه المعتاد في مخاطباته أو نثره ونظمه فإنه يعاب عليه ذلك ، وينحط به عن درجة الفصاحة ، ويخرج به عن قانونها ، إذ المقصود من الكلام إنما هو الإفهام لا غير ، فيخاطب كلّ أحد بما يفهمه ولا يكلَّف بما لا يعلمه ، وخير الكلام ما جاد وأفاد . قال بشر بن المعتمر ( 3 ) : إيّاك والتّوعّر ، فإنه يسلمك إلى التعقيد والتقييد ، وهو الذي يستهلك معانيك ويمنعك مراميك . قال أبو هلال العسكري : وربما غلب سوء الرأي وقلة العقل على بعض علماء العربية فيخاطبون السّوقيّ ، والمملوك والأعجميّ ، بألفاظ أهل نجد ، ومعاني أهل السّراة وحكاياتهم في ذلك كثيرة . قال أبو نصر الجوهريّ : سقط عيسى بن عمر ( 4 ) عن حمار له فاجتمع عليه الناس فقال : ما لكم تكأكأتم عليّ تكأكؤكم على ذي جنّة ! افرنقعوا عنّي . أي ما لكم اجتمعتم عليّ اجتماعكم على ذي جنّة تفرّقوا عني . وذكر الجاحظ هذه الحكاية عن أبي علقمة النحويّ بزيادة فقال : مرّ أبو علقمة ببعض طرق البصرة
--> ( 1 ) مات سنة 129 ه . ( 2 ) في الصناعتين : 36 « الشكر : الرضاع ، والشبر : النكاح ، وتضهلها : تعطيها الشيء القليل » وفي اللسان عن الأزهري في تفسير تضهلها : أي تمصر عليها العطاء . وقال المبرّد في تطلَّها : أي تسعى في بطلان حقها . وشكرها في اللسان : فرجها . ( 3 ) فقيه معتزلي مناظر ، تنسب إليه الطائفة البشرية من المعتزلة . مات ببغداد سنة 210 ه . ( الأعلام : 2 / 55 ) . ( 4 ) من أئمة اللغة . وهو شيخ الخليل وسيبويه وابن العلاء . توفي سنة 149 ه . ( الاعلام : 5 / 106 ) .